0 تصويتات
في تصنيف عام بواسطة (67.5ألف نقاط)

يدور موضوعنا حول إمام زماننا وولي أمرنا الحجة المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، وهو يتعلق بالسبب الكامن وراء غيبته، هذه الغيبة التي يعدّها البعض تحدّياً كبيراً للقائلين بإمامة وبوجود الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، فلماذا كانت هذه الغيبة المحيّرة كما يقول هؤلاء؟

بدايةً ينبغي أن نعرف أن الغيبة ظاهرةٌ عامةٌ في حياة الأنبياء والأولياء، وهي ليست حالةً استثنائيةً تفرّد بها الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) حيث

يشير القرآن الكريم في مواقع متعددة إلى ظاهرة الغيبة في حياة الأنبياء والأولياء، فلعلّ الإنسان إذا قرأ القرآن الكريم بهذا المنظار يجد هنالك إشارات وتلويحات كثيرة في مواقع متعددة من القرآن الكريم تشير إلى فكرة وشؤون الإمام المنتظر.

فيبين لنا القرآن الكريم أنَّ هناك غيبة لنبي الله موسى بن عمران (عليه السلام)، كما تقول الآية الكريمة: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)(1)، إذن فقد غاب موسى بن عمران (عليه السلام) عن قومه أربعين يوماً وهو نبيٌّ من الأنبياء العظام، حتى أنه لم يصطحب معه أخاه

هارون (عليه السلام) في هذه الغيبة، فكان وحيداً كما يبدو في هذه الغيبة القصيرة. ويثبت القرآن الكريم غيبةً أخرى، فإذا كانت غيبة موسى (عليه السلام) قصيرة، فهنالك غيبةٌ أخرى طويلة في القرآن الكريم، فقد غاب نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) عن قومه بل غاب عن البشرية كلها، فقد مرّ على غيبة عيسى بن مريم (عليه السلام) حوالي ألفَي عامٍ.. وجاء في القرآن الكريم:

(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(2)، وجاء في آية أخرى: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)(3)، ولا يزال عيسى بن مريم (عليه السلام) يعيش حالة الغيبة إلى الآن(4).

كذلك يثبت القرآن الكريم غيبة نبي الله يونس بن متّى (عليه السلام): (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(5)، فكم يوماً بقي في بطن الحوت؟ يقول بعض العلماء: بقي أربعين يوماً(6)، ومع أنه نبي مبعوث لكنه عاش أربعين يوماً في بطن الحوت، فهل قدح ذلك في نبوّته؟ وهل انْتَفَتْ عنهُ صفةُ النبوة بسبب هذه الغيبة؟ كلا..

ويثبت القرآن الكريم غيبة أهل الكهف: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)(7)، فقد غابوا ثلاثمائة عام حسب السنوات الشمسية وثلاثمائة وتسعة أعوامٍ حسبَ السنينَ القمريةِ، وكان هنالك كلام - كما أتذكر- هل يوجد أفراد بهذا الشكل أم لا؟ لأنه هناك أجيال عديدة تبدلت بعد مرور ثلاثمائة عام حيث يقول بعض علماء الحضارات: إنَّ الجيل يتبدل كل أربعين عاماً، ولذلك يوجد في الآية: (أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ)(8)، حتى يتبدل هذا الجيل، فكم جيلاً تبدل في خلال هذه الأعوام الطويلة، لعلّ القضية نسيت أو اختلف فيها ولكن بعد هذه المدة الطويلة، (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ)(9)، وإذا بأهل الكهف يعودون إلى الظهور بعد هذه الغيبة.

سبب الغيبة؟

إذا كانت ظاهرة الغيبة عامة فالسؤال عن علة الغيبة وسببها يكون سؤالاً عاماً أيضا، كما أن هذا السؤال لا يختص بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)، إذ يجب أن يُقال لماذا غاب عيسى بن مريم؟ فالسؤال نفسه يرد، فهو إذن سؤال عامٌّ وليس سؤالاً خاصّاً، نعود بعد هذا المدخل إلى الأجوبة عن هذا السؤال بصيغته الخاصة، لماذا غاب الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه)؟

هنالك عدة إجابات في هذا البحث نتناول منها إجابتين ونَدَعُ بقيةَ الإجابات لمباحث قادمة:

الإجابة الأولى:

هي التي أجاب بها الشيخ الطوسي(10) (رحمة الله تعالى عليه) في كتابه (الغيبة (11) في ص85)(12)، ونحن نعتقد أن هذه الإجابة مفتاحٌ مهم من مفاتيح التعامل مع الدين ككل، ويمكن أنْ نُعَبِّرَ عنها بفكرة الحكـمة الـمجهولة -على الرغم من أنَّ الشيخ لا يستخدم هذا التعبير- هنالك في الحياة نقاط غموض تخص دائرة التكوين والتشريع، ونقاط الغموض هذه، أما أنّ عقلية البشر لا تستطيع فهمها، وأمّا أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذه النقاط غامضة لحكمة من الحكم..

في دائرة التكوين هنالك نقاط غموض، فأن يلاحظ الإنسان هذه النقاط بعيداً عن نظرية الحكمة المجهولة فربما يُبتلى بحالة من الإحباط والنكوص والارتداد.

ربما نُقل لكم قديماً، إنَّ رجلاً قال: مرةً ذهبت إلى أوربا فرأيت هنالك امرأة كانت تنكر وجود الله سبحانه وتعالى وتقول: لو كان الله موجوداً لما قامت الحرب العالمية الثانية، يبدو أنها اكتوت بنيران الحرب العالمية الثانية، وإنَّنا كبشر نعيش أحياناً مشكلات محيّرة في حياتنا، فلماذا يحدث هذا الشيء؟ فهو إما حدثٌ يتعلق بحياتنا الشخصية أو حدث يتعلق بالبشرية ككل، إنها نقاط غموض في الإطار التكويني، وهنالك نقاط غموض وإبهام في الإطار التشريعي، كم مثالاً لدينا؟ هنالك مئات الأمثلة على ذلك.

فكيف نواجه نقاط الغموض وفق نظرية الحكمة المجهولة، إنَّ هذه النظرية ترتبط ارتباطاً عضوياً مع مستوى الإيمان، أي كلما كان مُستوى الإيمان عالياً يكون الإيمان بالحكمة المجهولة أقوى، فنحن عندما آمنا بالله سبحانه وتعالى إيماناً يقينيّاً قاطعاً، وآمنا بأن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم و ودود، (لاحظ مفردة (ودود) كم هي لفظة جميلة).

ويمكن كل انسان ان يبتلى مرةً بمشكلة مدمِّرة في حياته، والله تعالى يعرف كيف يبتلي الفرد في نقطة مدمرة من حياته، فكل شخص يبتليه الله تعالى بشكل أو طريقة ما، فيقول لماذا يا الله..؟ إن القضية تعد محلولة لأنك آمنت بالله وبحكمته، إنك تؤمن بأن الله ودود رحيم، وتؤمن بأن الله تعالى ما قدّر للمؤمن شيئاً إلا وهو خير له، إذن حُلّت المشكلة.

نعم إذا كان الشخص عديم الإيمان يجب أن يعود إلى الجذور، فإذا شعر أنَّ لديه شكّاً يجب أن يعود إلى إيمانه وجذوره.

إجابتك

اسمك الذي سيظهر (اختياري):
نحن نحرص على خصوصيتك: هذا العنوان البريدي لن يتم استخدامه لغير إرسال التنبيهات.
مرحبًا بك إلى جوابك، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من قبل المختصين في المجال .. اجابة لجميع الاسئلة التعلمية في جميع المراحل التعليمية من قبل استاذة مختتصين
...